ابن عساكر
204
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
سبب ما فعلته ، وما قد بان عليك ؟ فقال : يا صافي ، واللّه لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإنّ في قتله صلاحا للأمة . فقلت : يا مولاي ، حاشاه ، أي شيء عمل ؟ أعيذك باللّه يا مولاي ، العن إبليس ، فقال : ويحك أنا أبصر بما أقول ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بد من موتي ، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي ، وسيجلسون ابني عليا - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول للعلّة التي به ، يعني الخنازير ، فيتلف عن قرب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا يجدون بعده أكبر من جعفر ، فيجلسونه ، وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل ، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم ، والشح على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب ، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور وتنتشر الأمور ، وتخرج الخوارج « 1 » ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا . فقلت : يا مولاي ، بل يبقيك اللّه تعالى حتى ينشأ في حياة منك ، ويصير كهلا في أيامك ، ويتأدب بآدابك ، ولا يكون هذا الذي ظننت . فقال : احفظ عني ما أقوله ، فإنه كما قلت . قال : ومكث يومه مهموما ، وضرب الدهر ضربه « 2 » . ومات المعتضد ، وولي المكتفي فلم يطل عمره ، ومات ، وولي المقتدر فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينه . فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه ، وحللت « 3 » البدر وجعل يفرقها على الجواري والنساء ويلعب بها ، ويمحقها ويهبها ، ذكرت مولاي المعتضد وبكيت . قال صافي « 4 » : وكنت يوما واقفا على رأس المعتضد فقال : هاتم فلانا الطيبي ، يعني خادما يلي خزانة الطيب ، فأحضر فقال : كما عندك من الغالية ؟ فقال : نيف وثلاثون حبا « 5 » صينيا مما عمله عدة
--> ( 1 ) كذا في مختصر ابن منظور « ويخرج الخراج » والمثبت عن تاريخ بغداد : « وتخرج الخوارج » . ( 2 ) في تاريخ بغداد : ضربته . ( 3 ) في تاريخ بغداد : وحلق البدر . ( 4 ) تاريخ بغداد 7 / 217 . ( 5 ) في مختصر ابن منظور : « جبا » والمثبت عن تاريخ بغداد ، والحب : الجرة العظيمة .